19 يناير 2026
المستقبل "الحَي" للتصميم الحيوي والعمارة المتمحورة حول الإنسان
في بدايات القرن الحادي والعشرين، كان المحور الرئيسي في قطاعي البناء والعقارات هو بناء منشآت "أطول، أكبر، وأكثر تقنية". ومع ذلك، بحلول منتصف عقد 2020، غيّرت التحولات العالمية في النماذج وأنماط الحياة هذا المعادلة جذريًا. لم يعد معيار النجاح الجديد هو مدى ارتفاع المبنى، بل يقاس بمدى "الارتياح" الذي يوفره للأشخاص الذين يعيشون فيه.
في مجموعة Koray، نضع مفاهيم "التركيز على الإنسان" و"التصميم البيوفِيلي" — التي نعتبرها جزءًا لا يتجزأ من بنيتنا التحتية التكنولوجية ورؤيتنا للمدن الذكية — على الطاولة. كيف سيشكّل هذا الرحلة المعمارية، التي تمتد نحو القوة الشافية للطبيعة، مدن المستقبل؟
- العودة إلى الجذور: ما هي فرضية البيوفيلية؟
مصطلح "البيوفيلية" شاع في الثمانينيات على يد عالم الأحياء إدوارد أو. ويلسون، ويعني حرفيًا "حب الحياة والأنظمة الحية". قضى الإنسان نحو 99% من تاريخه في تواصل وثيق مع الطبيعة وفي البيئات المفتوحة. ومع التحضر الحديث، يقضي الإنسان المعاصر في المتوسط نحو 90% من وقته في الأماكن المغلقة (المنزل، المكتب، المراكز التجارية، وسائل النقل).
هذا الفصل أدى إلى مشكلات تُعرف باسم "متلازمة المبنى المريض" (Sick Building Syndrome): التوتر المزمن، صعوبات التركيز والإرهاق الذهني. التصميم البيوفيلي يحول العمارة من غلاف جمالي بحت إلى واجهة تستجيب لهذه الحاجة التطورية. - ليس مجرد "أخضر": الركائز الثلاث الأساسية للتصميم
اعتبار التصميم البيوفيلي مجرد "وضع أصيص داخل المبنى" أو "توسيع المساحات الخضراء" هو نهج سطحي. التكامل البيوفيلي الحقيقي هو عملية متعددة الطبقات مدمجة في حمض نووي البناء:
● التجربة المباشرة للطبيعة (Direct Experience): التماس مع الضوء والهواء والماء والنباتات. على سبيل المثال، تقنيات الزجاج الديناميكي التي تعظم دخول ضوء النهار إلى الداخل لا توفر الطاقة فحسب، بل تنظم أيضًا الإيقاع اليومي البشري (الساعة البيولوجية). هذا يحسّن جودة النوم ويساعد في حفظ التوازن الهرموني.
● التجربة غير المباشرة للطبيعة (Indirect Experience): استخدام المواد والأشكال الطبيعية. الأخشاب، الأحجار الطبيعية، والخيزران توفر ثراءً لمسيًا (حسيًا) يعوض الفقر الحسي الذي تخلقه المواد الصناعية. الهندسات الكسيرية (الفراكتال) والأشكال البيومورفية تُرضي حاجة الدماغ لرؤية تراكيب معقدة لكنها منظمة.
● التكوين المكاني (Space and Place): تصميم يلبي احتياجات الإنسان الأساسية للأمان. وفق نظرية "الملجأ والمشهد" (Refuge and Prospect)، يفضّل الناس الأماكن المحمية التي يمكنهم التحوّط فيها (ملجأ)، وفي الوقت نفسه يرغبون بمساحات مفتوحة (مشهد) تتيح لهم مراقبة محيطهم. النيشات والنوافذ البانورامية التي نبتكرها في مشاريعنا السكنية الحديثة هي ثمرة هذا التوازن. - العمارة العصبية: كيف يستجيب دماغنا للمكان؟
تقدّم الأبحاث في تقاطع العمارة وعلوم الأعصاب بيانات لافتة:
● إنتاجية أماكن العمل: في بيئات العمل الغنية بالعناصر الطبيعية، لوحظ ارتفاع إنتاجية الموظفين بنسبة 15% وزيادة الإبداع بنسبة 20%.
● فترات التعافي: في تصاميم المستشفيات، المرضى الذين تطل نوافذهم على الطبيعة يتعافون أسرع بنسبة 8.5% ويحتاجون إلى مسكنات ألم أقل مقارنة بمن تطل نوافذهم على جدران.
● التعليم: لوحظ زيادة سرعة التعلم بنسبة 20–26% في الفصول التي تتوفر فيها ضوء النهار الطبيعي والتهوية.
في ضوء هذه البيانات، تحسب مجموعة Koray عند تصميم مشاريعها ليس فقط تكلفة المتر المربع، بل أيضًا نسب "العائد النفسي". - الاستدامة ومنظور الحوكمة البيئية والاجتماعية والإدارية (ESG)
يلعب التصميم البيوفيلي دورًا حاسمًا ليس فقط لصحة الإنسان بل لصحة الكوكب أيضًا. استراتيجيات التهوية الطبيعية تقلل بشكل كبير من حمل التبريد على المبنى. البرك البيولوجية لأنظمة حصاد مياه الأمطار وأنظمة الواجهات تقلل البصمة المائية.
من منظور المستثمر، المباني المتمحورة حول الإنسان والحاصلة على شهادات الرفاه (مثل WELL، LEED) تتمتع بقيم أصول أعلى في سوق العقارات العالمي، ما يُعرف بـ "القسط الأخضر" (Green Premium). ولدى هذه المباني ولاء مستأجرين أعلى ونسب إشغال أكثر استقرارًا مقارنة بالمباني القياسية. - مسار المستقبل: رقصة التكنولوجيا مع الطبيعة
عند النظر إلى عام 2026 وما بعده، يبدأ عصر لا يرفض التكنولوجيا بل يستخدمها لِمحاكاة الطبيعة (الاستلهام الحي، Biomimicry):
● ألواح واجهة من الطحالب تمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء.
● أنظمة تظليل مستوحاة من أوراق الأشجار تفتح وتغلق بحسب زاوية الشمس.
● حساسات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تقيس جودة الهواء الداخلي وتعمل على تحسينها لحظيًا.
الخلاصة: بناء منشآت حية
رؤيتنا في مجموعة Koray واضحة: نحن لا نبني ملاجئ من أربع جدران فقط؛ نحن نبتكر نظمًا إيكولوجية تنبض وتتنفس وتمنح "الحياة" لمن فيها. ندمج قوتنا الهندسية المكتسبة عبر السنين مع حكمة الطبيعة المتراكمة عبر ملايين السنين. لأننا نعرف أن رفاهية مفصولة عن الطبيعة ليست مستدامة. الرفاه الحقيقي هو العيش متناغمًا مع إيقاع الطبيعة، حتى في قلب المدينة.